النور حمد يكتب : 

لربما تاق كثيرون، وأنا واحدٌ منهم، أن تضعنا، هذه الثورة العظيمة، التي وحدت قلوب السودانيين، بصورةٍ غير مسبوقة، على منصةٍ جديدة. وهو ما سبق أن ناديت به، وأسميته: "برادايم جديد"؛ أي،إطارًا مفاهيميًّا، يضع ممارستنا السياسية في مسارٍ منتجٍ، مغايرٍ لمسارها المعوج، الذي سلكته، منذ الاستقلال. غير أن ما لقيته هذه الثورة، وهي تبحث، في يُتمِها الذي شبت به، عن قيادةٍ لها، وعن حكومةٍ تمثلها، جاء دون التطلع، ودون الحاجة الماثلة، بكثير. وعي

النور حمد

عنوان هذا الكتاب المتميز: "عبد الخالق محجوب: الوعي وأزهار القناديل". إسم مؤلفه: حسن محمود الريح. الناشر: دار المصورات - الخرطوم. تاريخ النشر: 2020. عدد الصفحات 265، من القطع المتوسط، متضمنة قائمة المراجع.

عالج هذا الكتاب أحداث انقلاب يوليو 1971 إبتداء من هروب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، عبد الخالق محجوب من معتقله بميز الضباط بمصنع الذخيرة في المنطقة العسكرية بالشجرة، جنوبي الخرطوم، وحتى حدوث الانقلاب. وقد منح الكاتب اهتماماً خاصاً للأيام الخمسة الأخيرة في حياة هذا الزعيم والنجم السياسي البارز، التي أمضاها وهو مطارد، عقب فشل انقلاب يوليو 1971.

أورد المؤلف تفاصيل تلك الأيام المفعمة

النور حمد

المناهج التي وضعتها الإنقاذ، في جملتها، مناهج هزيلة، مرتجلة، وغير مواكبة للتطورات التي أحدثتها مختلف الدول، في فلسفة التعليم، ومحتوى مناهجه، وطرق تدريسه. وقد جاءت مناهج الإنقاذ نتيجة لسطو تنظيمٍ واحدٍ، وهو تنظيم أقلية قليلة، على الدولة السودانية. استغل التنظيم المال العام، ومجمل البنية التحتية للنظام التعليمي السوداني، من أجل غرس ورؤاه الخاصة، في أدمغة أبناء وبنات سواد الناس. ورغم أن محاولة صبغ كل مواد التعليم بفكر التنظيم، إلا أن التركيز كان على مادتي التربية الإسلامية واللغة العربية،لكونهما الأنسب، والأكفأ،لخدمة غرض بذر أفكار التنظيم في تلاميذ وتلميذات المدارس. لذلك نلاحظ أن الحملة الشعواء، التي زحمت الأقنية الإعلامية، انصبت على مادة التربية الإسلامية، وتركت كل شيء آخر، جانباً. السبب، أن منهج التربية الإسلامية الذي

النور حمد

ورد في بيتين من الشعر منسوبين إلى الإمام الشافعي، قوله: "جزى الله الشدائد كل خير وإن كانت تغصصني بريقي/ وما حمدي لها شكراً ولكن عرفت بها عدوي من صديقي". وأود في سياق ما أود الحديث عنه في هذه المقالة أن أستخدم هذين البيتين في وجهة ما أظهرته جائحة كورونا من مثالب المسلك لدى نخبنا القائدة ولدى عامة الشعب. فمقدار حصيلتنا من التمدن والتحضر لم يسبق أن اختبرت بمثل ما اختبرت به في هذه الجائحة الهوجاء. كما لم تنفضح ضآلة محصولنا من التحضر والتمدن بمثل ما انفضحت به في هذه

النور حمد

نبهني الصديق العزيز صلاح الأمين، في تبادل للرسائل بيننا، بعد أن قرأ عمودي ليوم أمس الأول، حول معايير الاستيراد ورسم السياسات، إلى جانب مهم يتعلق باستيراد السلع الكمالية. ومنها سلع غذائية تستهلكها الشرائح مسيورة الحال، التي ربما لا تتعدى 3٪ من مجموع السكان. ومسألة استيراد السلع الكمالية مسألة قديمة، لطالما احتدم حولها النقاش في برلمانات الديموقراطيات الثلاث التي وأدتها الانقلابات العسكرية. حينها كان الناس يتجادلون حول

النور حمد

تحدَّث الناس كثيرًا عبر التاريخ الروحاني للبشر عن أن من الممكن أن تكون النِّغمة نعمة. وبطبيعة الحال، لا نستطيع أن نرى النِّغْمَةُ نعمةً لأنها ذات تأثيرٍ حسي ضار مباشر. غير أنها، رغمًا عن ذلك تتحول إلى نعمة بتأثيرها الإيجابي على العقول وسوقها لتعديل مسارها. يرى العلمانيون الفلسفيون في مثل هذا التصور منحى قدريًا استسلاميًا، يحيل كل شيءٍ إلى إرادة الغيب. ومن ثم يجرد الإنسان من حرية الفعل تجاه ما تواجهه به الطبيعة. غير أن هذه النظرة لا تتسم بالعمق المعرفي الكافي، ويعود قصورها إلى أن العلمانية الفلسفية تفصل فصلاً قاسيًا بين العقل البشري والعقل الكوني. بل هي لا تؤمن أصلاً بوجود عقلٍ كوني وتعزو كل ما يحدث من كوارث إلى عشوائية الطبيعة.

تنحو الاتجاهات الروحانية والفلسفية القديمة ومماثلاتها الأكثر حداثة، إضافة إلى بعض تيارات العلوم الطبيعية، إلى القول بأن اختيارات

النور حمد

كتب كثيرون، في الأسابيع القليلة الماضية، عن تجربة البقاء بالمنزل، التي فرضتها على الناس، دون استثناء، وفي كل بقاع الأرض، جائحة كورونا. وأحب أن أتناول، هنا، هذه التجربة، من المنظور الصوفي. فقد عُرف المتصوفة باعتزال عالم الخارج، قصدًا، بغرض تحرير أنفسهم من أسره، بأن يخرجوا من حالة التوزع، والتشتت، إلى حالة الانجماع والانحصار. وقد كانت أمضى وسائلهم، في هذا الباب، إلى جانب وسائل التعبد الأخرى، الممارسة المعروفة، المسماة، "الخلوة". فالخلوة سجنٌ للحواس. فهي تقيد البصر، وتقيد السمع، وتقيد الشم، إلى حدٍّ كبير، كما تقيد الحركة. يفعل المتصوفة ذلك من أجل لجم النفس، وفطمها من عاداتها، بحبسها عما تحب، وعما أدمنت من انشدادٍ للعيش في تفاصيل العالم الخارجي.

تأبى النفس الخلوة في بداياتها، مثلما تأبى الصيام. فالخلوة، صيامٌ، بغرض

النور حمد

كتب كثيرون، في الأسابيع القليلة الماضية، عن تجربة البقاء بالمنزل، التي فرضتها على الناس، دون استثناء، وفي كل بقاع الأرض، جائحة كورونا. وأحب أن أتناول، هنا، هذه التجربة، من المنظور الصوفي. فقد عُرف المتصوفة باعتزال عالم الخارج، قصدًا، بغرض تحرير أنفسهم من أسره، بأن يخرجوا من حالة التوزع، والتشتت، إلى حالة الانجماع والانحصار. وقد كانت أمضى وسائلهم، في هذا الباب، إلى جانب وسائل التعبد الأخرى، الممارسة المعروفة، المسماة، "الخلوة". فالخلوة سجنٌ

 

النور حمد

يقتضي تقدم الحياة البشرية، وخاصةً في مجال الاقتصاد، والتنمية، سرعةً في الحركة. من أجل هذا تطورت وسائل النقل، وتعددت، وتضاعفت سرعاتها، عبر الزمن. في هذا الباب، تحسَّنت هندسة خطوط السكة الحديد، ووصلت سرعات القطارات إلى ما يزيد عن خمسمائة كيلومتر، في الساعة. كما أصبح إنشاء الطرق السريعة، الرابطة بين المدن، والأقطار، والقارات علمًا هندسيًا،قائمًا بذاته. أيضًا، تقدمت وسائل ضبط،وتنظيم،حركة المرور، داخل المدن الكبيرة، من أجل تحقيق أكبر قدر من سهولة التحرك. عمومًا، كان الغرض من وراء كل تلك الجهود المضنية

النور حمد

في البدء، لا بد لي أن أعرب عن الشعور بالغبطة الذي غمرني، وأنا أتابع مجريات اللقاء مع الدكتور، نصر الدين عبد الباري، وزير العدل، وهو يجيب بمعرفةٍ، ومهنيةٍ، ورزانةٍ، على أسئلة الأستاذ لقمان أحمد، في برنامجه التوعوي، "حوار البناء". لقد بدا أن وزارة العدل قد أخذت تعود، بعد طول غياب إلى المهنيين الأكفاء، أهل المعرفة الأكاديمية، والحس العدلي السليم، والإلمام بمبادئ حقوق الإنسان، وبمجمل ثقافة العصر. وافقت مشاهدتي لهذه الحلقة المتميزة، قراءتي هذه الأيام في كتاب

النور حمد

الدولة الموازية خطة نفذها نظام الرئيس البشير، ضمن نهجه اللا أخلاقي الذي هدف إلى ترسيخ أركان النظام الكليبتوقراطي اللصوصي الذي استهدف سرقة الموارد بصورة ممنهجة بعيدًا، عن عين أجهزة الدولة الأم. وقد نبه الأكاديمي والباحث الاقتصادي الدكتور خالد التجاني النور، في السنوات الأخيرة من عمر نظام الإنقاذ إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع الكتلة النقدية في البلاد تدور خارج الجهاز المصرفي. ورثت البلاد هذه الدولة الموازية عقب الثورة المجيدة وأصبحت بحكم طبيعتها،وغرضها الذي تأسست

النور حمد

ظاهرة تحوُّل الجيوش من مهامها التي يحددها لها الدستور، لتصبح كيانًا منفصلاً عن الدولة الأم له مؤسسات اقتصادية لها أذرع تتكون من عديد الشركات ظاهرة قديمة. غير أنها أخذت أبعادًا جديدة في ظل الأنظمة العسكرية المعاصرة، خاصة في دول العالم النامي. وللدول العربية التي حكمها العسكر لعقود طويلة، نصيب وافر في ممارسة هذا النموذج المدمر. ولقد اهتمت مراكز الأبحاث العالمية المشتغلة في مجال السياسة والسياسات بهذه الظاهرة، فأخرجت فيها العديد من التقارير والدراسات والكتب. لقد استطاعت النخب

النور حمد

كثيراً ما كتبت أن الثورة ليست فعلاً شكلياً يبدل أشخاصاً بأشخاص، وإنما هي فعل إنقلابي يبدل بنية عقلية معتلة ببنية عقلية معافاة. غير أن الذي يحدث لأغلب الثورات أنها لا تنجز هذا الفعل الانقلابي، وإنما تأتي بطاقم قيادي إلى أجهزة الحكم لا يختلف من حيث المفاهيم والبنية الأخلاقي عن الطاقم الذي أزاحته الثورة. فالثوار في تلهفهم لإزاحة النظام القديم، وانحباس أنفسهم خشية أن تفشل ثورتهم، يقبلون بقيادات لم يجر تمحيصها كما ينبغي. بل أن تصورات الجماهير العريضة الثائرة للقيادة المتمناة، يجري إسقاطها على أول من يمدون رقابهم متصدين للقيادة. ولكن بمرور الوقت، بعد أن تجري إزاحة قيادة النظام القديم، ويبدأ الصراع من أجل تفكيك

النور حمد

لا أعد نفسي شخصًا متشائماً. بل على العكس منذ ذلك، أعد نفسي شخصًا متفائلاً، لا ينفك يتمسك بأهداب الأمل، مهما ضؤل ويتعلق بحلم بوطن مستقر، مزدهر، متوثب. فقد قيل قديماً: "ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل"٠ وقد ورد أيضًا في القرآن الكريم: "وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ ۖ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ". يطول بنا زمان التيه ويستعصي الخروج من نفق العجز وقلة الحيلة، ولكن رغمًا عن ذلك تبقى راية الأمل فينا منغرسة الصاري في تربة هذه البلاد، ترفرف وضيئةً في الفضاء، مُنْبِئةً ببشريات تبدل الأحوال الحتمي الذي ينتظرنا عند منعرج

بقلم: النور حمد

لا يختلف الفلسطيني عن أخيه الفلسطيني في ممارسة ازدواج المعايير. كما لا يختلفون في ممارسة هذه الازدواجية دون أي شعور بالاستخذاء أو حتى القليل من الإزعاج، بل، يمارسونها مع قدر مدهش من الطمأنينة وراحة الضمير. الأسوأ من ذلك، أنهم حين ينزعجون من أي موقف يقفه السودانيون تجاه القضية الفلسطينية يخرجون بسرعة البرق ما يخفونه من عنصرية تجاه السودانيين. فيمدون أيديهم إلى ترسانة الشتائم مما يحويه قاموسهم المعد لمثل هذه "النوائب". وهو قاموس معد خصيصاً لتأديب أهل أقطار الهامش العربي الذين تختلط فيهم الدماء الحامية والزنجية والسامية. وكما لاحظ الجميع فقد حفلت وسائط التواصل الاجتماعي بكيل الفلسطينيين هذه الأيام سيلاً من السباب العنصري للسودانيين. وهذه ليست المرة الأولى، لكني أظنها

النور حمد

ما من ثورة في التاريخ إلا ونشأت في مواجهتها ثورة مضادة. ولكل ثورة مضادة عدة أذرع تعمل من خلالها لإرباك الأوضاع الجديدة وإفشالها، أملا في إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل الثورة. ولقد أبدع الكاتب المصري، علاء الأسواني، في توصيف أساليب القضاء على أية ثورة عبر ست خطوات. من أذرع الثورة المضادة، شديدة الفعالية، المنافذ الإعلامية، التي كانت قبل الثورة في قبضة النظام القديم. يضاف إلى ذلك وسائط التواصل الإجتماعي التي أضحت متاحة للجميع بفضل

النور حمد

يمكن القول، بكل بساطة، أن ما ظل يعتمل داخل الوسط السياسي، منذ اقتلاع نظام الإنقاذ وبداية التفاوض مع العسكر ، قد كانت سمته الرئيسة التدليس المستمر، المتمثل في نقض العهود والمواثيق. من أمثلة ذلك، عدم الالتزام بما نصت عليه الوثيقة الدستورية. فقد مر على إعلان الوثيقة الدستورية عام ونصف، ولم نر مجلساً تشريعياً. وإنما رأينا ما سمي "مجلس الشركاء"، الذي نبت فجأة وجرى تشكيله بسرعة البرق. هذا، في حين ظل كل ما نصت عليه الوثيقة الدستورية من استحقاقات يسير بسلحفائية قاتلة، أضحت تشير بوضوح إلى التعمد في تأخير تلك الاستحقاقات، بل، وربما التنكر لها بصورة نهائية. وعموماً، لا ندري من أين جاءت

النور حمد

للمنظومة الحاكمة حاليًا في السودان، برؤوسها المتعددة، عدة ألسن. أما الفضاء العام المحيط بها والذي تسيطر عليه وسائط التواصل الاجتماعي فله ألف لسان. وتظل الحقيقة في هذا المناخ منفصلةً عن الواقع سابحةً في هذا السديم الشاسع من الشائعات، والشائعات المضادة. من أمثلة ذلك: عندما ذهب الفريق البرهان للقاء نتنياهو في عنتيبي بيوغندا في فبراير الماضي، طفح على سطح الأخبار أن المكون المدني في الشراكة الانتقالية لم يقرر ذلك اللقاء، وأن الفريق البرهان تصرَّف بمفرده. بل قيل إن رئيس الوزراء عبد الله حمدوك لم يُستشر في أمر ذلك اللقاء. أما ما أعقب اللقاء من الموافقة على عبور طائرات شركة العال الإسرائيلية أجواء السودان، فقد أظهرته القنوات الإسرائيلية، ولم تقابله

النور حمد

فصلت بين بداية السبعينات من القرن الماضي وزمننا الحالي خمسون عامًا. ولقد بقيت الأزمات في السلع الضرورية وفي الخدمات الضرورية، عبر هذه الخمسين سنة المنصرمة، تراوح مكانها. فنخبنا السياسية ونخبنا العسكرية، كانت، في تقديري، هي الأفشل، من بين نخب العالم النامي، في خدمة الشأن العام. فكل شيء في بلادنا بقيَ مُجيَّرًا للصالح الجهوي؛ من حزبي، ومؤسسي،وقَبَلي، وطائفي،وشخصي. باختصارٍ، هناك علةٌ مزمنةٌ لم نعمل قط على تشخصيها ولا على إبرائها، من ثَمَّ. عادت،كرَّة أخرى، طوابير السيارات التي تبيت ليلةً وليلتين أمام محطات الوقود، إلى ما كانت عليه في فترة حكم جعفر نميري، والصادق المهدي، وعمر البشير. وعاد الناس يقفون على حواف الشوارع لوسائل نقلٍ لا تأتي. بل، زهد كثيرون في الحركة وبقوا في بيوتهم. وفي كل حيٍّ تكتظ

النور حمد

عانت الدولة السودانية منذ الاستقلال من انعدام الثوابت الوطنية. فكل ضابط للفعل السياسي السوداني بقي رمالاً متحركة. المهم لدى كل القوى السياسية في السودان هو الكسب الآني. ولا يهم إن قاد هذا الكسب إلى هدم ثوابت الدولة وركائزها. شهدت ديموقراطياتنا الثلاث الكثير من الائتلافات. يحدث الائتلاف حين لا تمكن النتائج الانتخابية أي حزب للحكم بمفرده فيضطر لإحراز أغلبية في البرلمان إلى أن يأتلف مع حزب آخر. وقد قاد الحرص على المناصب إلى أن تأتلف أحزاب لا يجمع بينها جامع. بل إن

( 2 - 2 )

قلت في المقال السابق أننا غير مستقلين حقاً، بسبب جرنا واستقطابنا، بمختلف القوى الخارجية، في مختلف مراحل تكوين الدولة السودانية الحديثة. وكانت ضربة البداية الملموسة للانجرار والاستقطاب، الغزو الخديوي المصري للسودان في عام 1821. كتب طه جابر العلواني، في مقدمته لكتاب غريغوار مرشو، الموسوم: "من الاستتباع إلى الاستبداد: حفريات في آليات احتلال العقل"، أن الأمم التي توسعت على حساب غيرها شيدت حقولاً معرفية كاملة بغرض استخدامها كأداة مسوغة لفرض الهيمنة والاستتباع. من ذلك تدبيج خطاب جديد من

 

(١ - ٢)

النور حمد

في البدء التهنئة لكل السودانيين والسودانيات بعيد الاستقلال المجيد، و أيضاً، ببداية العام الميلادي الجديد. جعله الله عام خير وأمن وسلام واستقرار في البلاد. ونرجو أن يشهد هذا العام الجديد انقشاع وباء الكورونا الفتاك، الذي حصد الكثير من الأرواح في أرجاء المعمورة، وأربك إيقاع الحياة اليومية في كل مكان، وتسبب في ضوائق اقتصادية حادة، لقطاع كبير جداً من سكان الكوكب .

علينا، ونحن نحتفل بالذكرى 65 لإعلان استقلال بلادنا من الحكم الثنائي، البريطاني المصري، من داخل البرلمان عام 1955، أن نقوم بجرد حساب لهذه السنوات الخمس والستين، لمعرفة إلى أي مدى تحققت لنا فيها معاني الاستقلال. فهل يعني الاستقلال، وهل تعني الحرية مجرد خروج الجيوش والإدارة الأجنبية، أم أن للاستقلال تجليات أخرى، ينبغي أن تتجسد في إنجازات ملموسة تنتظم كل أوجه حياتنا؟ فخروج الجيوش الأجنبية، والإدارة الأجنبية، من بلادنا لا ينبغي أن يمثل سوى العتبة الأولى في السير نحو تلك الإنجازات. وأي جرد أمين لتجربة الحكم الوطني السوداني، على مدى الخمس وستين عاماً الماضية، لا يصل إلا إلى نتيجة واحدة. مفاد تلك النتيجة أننا لم نحقق، لا وحدة وطنية، ولا استقراراً سياسياً، ولا سلاماً، ولا تنمية اقتصادية، بل ولا حتى استقلالاً يذكر في قرارنا السياسي. فقد بقي تأثير الخارج على سياستنا أكبر من تأثير الداخل. ولا تزال أيدي الخارج ظاهرة في كل ما تأتي نخبنا المتنفذة، من عسكريين ومدنيين، وما تدع.

لقد كان مفهوم الاستقلال لدى آبائنا المؤسسين غائماً منذ البداية. فهم لم يروا بأساً، بادئ الأمر، أن يخرج البريطانيون لينضوي السودان، تحت التاج المصري تحقيقاً لشعار "وحدة وادي النيل". فقد جاء في خطاب السيد إسماعيل الأزهري، رئيس مؤتمر الخريجين، الذي أرسله إلى لجنة المؤتمر الفرعية بودمدني، في 4 أبريل 1945، ما يلي: "إن الوضع الذي يفصح عن رغبات البلاد الحقيقية والذي يحقق لها مصالحها ويكفل لها  حريتها ورفاهيتها هو قيام حكومة سودانية ديمقراطية في اتحاد مع مصر تحت التاج المصري". (راجع: معتصم أحمد الحاج، بعض وثائق مؤتمر الخريجين، الجزء الثالث، ص 152). ولا يخفى أن هذا التوجه نحو تذويب الدولة السودانية في الدولة المصرية، قد عكس تجاهلاً لحقيقة أن التاج المصري، في الأصل، هو تاج خديوي، متجذر في تركيا. بل، وقبلها في ألبانيا، التي أتى منها محمد علي باشا، حاكم مصر الأجنبي، الذي غزا السودان عام 1821. فاستعبد رجاله ووضعهم في سلك جنده قسراً، وهو يسعى لبناء امبراطوريته في وادي النيل والجزيرة العربية. وأيضاً، لينهب ثرواته وعلى رأسها الذهب. وليذيق شعب السودان الأمرين بالضرائب الباهظة والعسف والتعذيب والتنكيل، إلى أن خلصتهم منه الثورة المهدية. 

لم يستحضر آباء الاستقلال تلك الحقائق، وهم ينادون بوحدة وادي النيل. ولقد خرج السودان من منزلق التبعية المطلقة لمصر، بمحض العناية الإلهية. فقد غير السيد إسماعيل الأزهري ورهطه توجههم في آخر لحظة، 180درجة. وهكذا جرى أعلان الاستقلال عن كل من بريطانيا ومن مصر، من داخل البرلمان. ولربما كان لوجود تيار استقلالي مناهض لتيار الوحدة مع مصر، ولتناميه وبروزه في المفاوضات مع المصريين والبريطانيين، إضافة إلى حرص بريطانيا ألا يقع السودان في القبضة المصرية، أثره في أن يغير الزعيم الأزهري ورهطه توجههم الاتحادي، إلى توجه استقلالي.

لكن لم يسلم السودان، في عموم تجربة ما بعد الاستقلال، من التبعية. رغم أعلانه جرى بوصفه قطراً مستقلاً. وعموماً، لم تخل أغلبية أقطار العالم من تبعية، بقدر ما، لقطر من الأقطار ينطبق هذا بصورة أكبر على أقطار العالم النامي، التي كانت واقعة تحت نير الاستعمار. فلقد أطلق  مفكرو العالم النامي على الهيمنة الاقتصادية الغربية، التي بقيت عقب استقلال المستعمرات، ثم تنامت، مصطلح: "الاستعمار الحديث". وإلى جانب الهيمنة الاقتصادية كانت هناك التبعية الأيديولوجية الاختيارية لواحدة من بؤر الأيديولوجيا الكبيرة، كالمعسكر الغربي والمعسكر الشيوعي. وكانت هناك، أيضاً، التبعية للبؤر الأيديولوجية الإقليمية كالقومية العربية، أو المنظومة الإخوانية الإسلامية العابرة للأقطار. 

(يتواصل) 

///////////////////

النور حمد

عنوان هذا الكتاب المتميز: "عبد الخالق محجوب: الوعي وأزهار القناديل". إسم مؤلفه: حسن محمود الريح. الناشر: دار المصورات - الخرطوم. تاريخ النشر: 2020. عدد الصفحات 265، من القطع المتوسط، متضمنة قائمة المراجع.

عالج هذا الكتاب أحداث انقلاب يوليو 1971 إبتداء من هروب السكرتير العام للحزب الشيوعي السوداني، عبد الخالق محجوب من معتقله بميز الضباط بمصنع الذخيرة في المنطقة العسكرية بالشجرة، جنوبي الخرطوم، وحتى حدوث الانقلاب. وقد منح الكاتب اهتماماً خاصاً للأيام الخمسة الأخيرة في حياة هذا الزعيم والنجم السياسي البارز، التي أمضاها وهو مطارد، عقب فشل انقلاب يوليو 1971.

أورد المؤلف تفاصيل تلك الأيام المفعمة بالحزن والأسى، التي حاول

 

النور حمد

لا مشاحة إطلاقاً في مسؤولية قواتنا المسلحة عن تفكيك البؤر الاستيطانية الإثيوبية في منطقة الفشقة في حدودنا السودانية الشرقية، وتنظيف المنطقة من سيطرة العصابات، التي هي عصابات أجنبية تنشط خارج حدود بلادها. بل لقد تأخر هذا العمل بأكثر مما ينبغي بكثير. فقد ظلت العصابات المسلحة الإثيوبية تعيث فساداً في هذه الرقعة من الأراضي السودانية، على مدى عقود طويلة، ظللنا نسمع خلالها، وباستمرار، عن مقتل مزارعين سودانيين بواسطة هذه العصابات. ولقد كادت منطقة الفشقة